فخر الدين الرازي
22
المطالب العالية من العلم الإلهي
هبت في الظلمات » فتلك الأجزاء الواقفة لا شك أنها كانت في الظلمات ، لأن الظلمة عدم النور ، فلما حركها اللّه [ تعالى « 1 » ] كان ذلك عبارة عن قوله : « وريح اللّه هبت عليها » . وثانيهما « 2 » : أن يقال : إن تلك الأجزاء كانت متحركة من الأزل إلى الأبد ، وهذا مذهب ديمقراطيس ، فإنه زعم : أن هذه الأجسام المحسوسة مركبة « 3 » من أجزاء لا تتجزأ ، وكل واحد منها قابل للتجزئة الوهمية ، وغير قابل للتجزئة الوجودية ، وكل واحد منها على شكل الكرة ، لأن الطبيعة البسيطة لا تفيد إلا شكلا متشابه الجوانب ، وهو الكرة . والخلاء أيضا متشابه الأجزاء ، فلم يكن بأن يبقى كل واحد من تلك الأجزاء في حيز معين ، أولى من أن يحصل في حيز آخر ، فلهذا السبب وجب في كل واحد من تلك الأجزاء ، أن ينتقل من حيز إلى حيز ، فلهذا السبب وجب فيها ، أن تكون متحركة لذواتها من الأزل إلى الأبد ، ثم اتفق في أثناء تلك الحركات أن تضامت تلك الأجزاء على وجه خاص وتدافعت ، واعتمد البعض على البعض ، فاستدارت على نفسها ، فذلك المستدير هو الفلك . وأما الأجسام التي كانت موجودة في جوف الفلك ، فكل ما كان متصلا بقعر « 4 » الفلك حصلت السخونة القوية فيه ، وهو النار . والذي كان في غاية البعد من الفلك ، وهو الذي حصل في المركز ، حصلت البرودة العظيمة فيه ، والكثافة العظيمة ، وذلك هو الأرض . ثم الذي حصل في جوف كرة النار هو الهواء ، لأن بين النار وبين الهواء مشابهة ومناسبة . والذي حصل فوق الأرض هو الماء . فحصل بهذا الطريق : هذه
--> ( 1 ) تعالى من ( ت ) ونص التوراة هو حسب ترجمة الآباء اليسوعيين في بيروت « في البدء خلق اللّه السماوات والأرض . وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة . وروح اللّه يرف على وجه المياه . وقال اللّه : ليكن نور ، فكان نور . . . إلخ » [ تكون 1 : 1 - 3 ] والمؤلف - يرحمه اللّه - نقل النص عن توراة اليهود . لأن في توراة اليهود : « وريح اللّه » بدل « وروح اللّه » في تراجم النصارى . ( 2 ) والثاني ( ت ) ( 3 ) مشتركة ( ت ) ( 4 ) بعنصر ( ت )